ابن حبان
29
صحيح ابن حبان
ودراسة واستقصاء واستنباطا ، وتصانيفه تشهد على تلك الجهود العظيمة ، والمعاناة الشديدة التي بذلها لإخراج مصنفاته تنبض بالأصالة والإبداع ، هذا ما دعا ياقوت إلى القول كما سبق : أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره ، وشهد بذلك أيضا تلميذه الحاكم ، فقال : صنف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه ، وليس أدل على إبداعه ومعاناته في التصنيف من كتابنا هذا ، " التقاسيم والأنواع " فقد وصل في إبداعه إلى درجة من الإغراب لم يستطع الناس معها تمثل طريقته ، ولا التكيف مع منهجه في تأليفه ، وسيرد الحديث عنه مستقلا . وهذا كتاب آخر من مصنفاته الغزيرة هو " الهداية إلى علم السنن " ، أسرد لك طريقته فيه - كما ذكرها ياقوت - لتتبين الجهود المكثفة التي بذلها لإخراج الكتاب ، فهو كتاب قصد فيه إظهار الصناعتين اللتين هما صناعة الحديث والفقه ، يذكر حديثا ، ويترجم له ، ثم يذكر من يتفرد بذلك الحديث ، ومن مفاريد أي بلد هو ، ثم يذكر كل اسم في اسناده من الصحابة إلى شيخه بما يعرف من نسبته ومولده وموته وكنيته وقبيلته وفضله وتيقظه ، ثم يذكر ما في ذلك الحديث من الفقه والحكمة ، فإن عارضه خبر ذكره ، وجمع بينهما ، وإن تضاد لفظه في خبر آخر ، تلطف للجمع بينها ، حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الفقه والحديث معا . قال ياقوت : وهذا من أنبل كتبه وأعزها . وهاك مصنفا آخر يكشف عن تلك المعاناة التي ينوء بها العصبة من الرجال ، إنه كتاب " شعب الإيمان " ، يذكر لنا ابن حبان كيف صنفه ، فيقول : إنه تتبع حديث أبي هريرة " الإيمان بضع وسبعون شعبة " مدة ، فجعل يعد الطاعات ، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا ، فرجع إلى السنن ، فعد كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين ، فرجع إلى كلام الله ، فتلاه بالتدبر ، وعد كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان ، فإذا هي تنقص أيضا ، فضم الكتاب إلى السنن ، وأسقط